جميع النصوص
ممتليئ بالفراغ
مقال٢٢ فبراير ٢٠٢٦١٣ قارئ2 دقيقة للقراءة

ممتليئ بالفراغ

بعض الكتب تجبرك على التسكع، أن تقرأ السطر مرة تلو الأخرى علك أسقطت شيئا، تعيد الصفحة ، لتتأكد من أنك استوعبت المقصود أو ربما التقطت شيئا جديدا.
بعض الكتب تتعمد ألا تنهيها ، خوفا من أن تفسد ما يكتب بعدها ، تتركها مفتوحة، وتترك جزءا من نفسك مفتوحا ينفذ النور إلى قلبك من خلاله.
تترك منها فصلا أو توقفها في المنتصف أو حتى ربما تركت ورقات ، كطبق لذيذ دسم ، تأخذ منه كل يوم قطعة، فإن أخذته كله، منعك من تناول ما بعده.
بعض الكتب تتمنى لو أنها لا تنتهي ، لو أن كاتبها تحول إلى ماكينة تكتب ليل نهار وأنت لا تفعل شيئا إلا أن تقرأ له فقط.
بعض الكتب تغوص بك إلى الداخل، بينما يدعوك كل شيء للنظر حولك، تدعوك إلى النظر داخلك، وكأنها تقتلع عينيك من رأسك وتثبتهما في الهواء لتنظر إليك عبرك.
بعض الكتب كالمرآة، ترى نفسك عبرها بلا تشويه ولا تجميل ولا تكبير ولا تصغير، تسلبك قدرتك على الحركة ، أنت هنا والآن تتوحد مع نفسك وتنظر إلى الكون من رؤيتك لنفسك.
بعض الكتب تحدثك عما تحتاج لا ما تريد، وعن مداخلك وعن النور الذي يسكنك.
بعض الكتب تزنك وتربكك، بين النشوة التي تتركها فيك، وبين القلق من إنهائها، تترك هناك في لحظة لا إتزان، تترك أغلفتها مواربة لتبحث عن معناها في غيرها فتجر خلفها الكتاب تلو الآخر، كقطع الدومينو التي يوقع أولها آخرها فلا تستقر حتى يقع المعنى داخلك.
بعض الكتب لا تتحدث عن الوحي - على الأقل بطريقة مباشرة - لكنها توصلك له ، لأنها توصلك إلى نفسك. "وفي أنفسكم أفلا تبصرون"
بعض الكتب تزيل عنك إندهاش التساؤل في "لم بدأ أول إتصال للسماء بالأرض بإقرأ!"، ترى و إن لم تكن إقرأ، فماذا تكون؟!.