جميع النصوص
العمران حين يزاحم السماء
مقال٧ مارس ٢٠٢٦٨١ قارئ4 دقيقة للقراءة٨٣

العمران حين يزاحم السماء

عن مكة… حين تختبئ الروح خلف الأبراج

كان الناس قديماً إذا ذكروا مكة، ذكروا الكعبة أولاً. كانت الصورة التي ترتسم في المخيلة بسيطة كصلاةٍ صافية: بيتٌ من حجارة داكنة، يحيط به فضاءٌ مفتوح، وسماءٌ واسعة تنحني فوقه كقبةٍ من نور. لم تكن هناك أبراج، ولا جدران من زجاج، ولا أضواء تنافس النجوم. كان البيت واضحاً كما تكون الحقيقة حين تكون وحيدة في المشهد.

كانت الكعبة تقف في قلب الوادي كقلبٍ نابض. صغيرة في حجمها، عظيمة في معناها، كأنها حجرٌ يختصر حنين البشر منذ آلاف السنين. وكان القادم إلى مكة يرى البيت قبل أن يرى أي شيء آخر؛ لأن العمران لم يكن قد تزاحم بعد مع الروح.

لكن المدن، حين تكبر بسرعة، لا تنمو وحدها؛ بل تنمو معها رغبة الإنسان في السيطرة على السماء. ترتفع المباني طبقة فوق طبقة، كأنها تريد أن تنافس الجبال، أو أن تثبت أن الإنسان قادرٌ على أن يمدّ الأرض نحو الأعلى بلا نهاية. وهكذا، شيئاً فشيئاً، بدأ المشهد يتغير.

اليوم، إذا وصل الزائر إلى ساحة المسجد الحرام، فإن أول ما يسرق بصره ليس الكعبة دائماً، بل ذلك البناء الهائل الذي يطل على الحرم كجبلٍ من الضوء: برج الساعة بمكة.

برجٌ شاهق، ساعةٌ عملاقة، واجهاتٌ زجاجية تعكس الشمس نهاراً وتغمر الليل بأضواءٍ لا تنطفئ. شيءٌ يذكّر الإنسان بقوة العمران الحديث، وبالقدرة الهائلة التي امتلكها البشر على إعادة تشكيل المكان.

غير أن السؤال الذي يهمّ الروح ليس: كم ارتفعت الأبراج؟
بل: ماذا حدث للمشهد الداخلي للإنسان؟

---

العمران ليس خطيئة في ذاته. المدن تحتاج إلى طرقٍ وفنادق، والحجاج الذين يأتون بالملايين يحتاجون إلى مكانٍ يقيمون فيه. هذه حقائق لا ينكرها العقل. لكن المشكلة تبدأ حين يتضخم العمران إلى الحد الذي يصبح فيه المشهد الروحي محاصَراً بالخرسانة.

في الماضي، كانت الكعبة تُرى من بعيد كما تُرى النجمة في سماءٍ صافية. كان الفراغ حولها جزءاً من هيبتها. الفراغ يمنح الأشياء العظيمة مكاناً لتتنفس.

أما اليوم، فإن الكعبة تقف في قاع وادٍ من الأبراج. تبدو أحياناً — في الصور الجوية — كقلبٍ صغير داخل جسدٍ ضخم من المباني. كأن العالم المادي قد تضخم إلى الحد الذي صار فيه المعنى محاطاً بجدران.

ولهذا يحدث شيءٌ غريب في سلوك الناس.

حين يرفع الزائر هاتفه ليلتقط صورة، كثيراً ما تتجه عدسته إلى الأعلى، نحو الساعة العملاقة، أكثر مما يتجه إلى البيت نفسه. الصورة التي تنتشر في وسائل التواصل ليست دائماً صورة الطواف، بل صورة البرج المضيء الذي يشبه مدينة قائمة فوق مدينة.

ليس لأن الناس لا يحبون الكعبة، بل لأن العين البشرية تنجذب غريزياً إلى الأكبر والأعلى والأكثر بريقاً.

العمران يعرف كيف يسرق الانتباه.

---

كان الفلاسفة يتحدثون كثيراً عن العلاقة بين المكان والروح. فالمدينة ليست حجارة فقط؛ إنها لغةٌ صامتة تُعلّم الإنسان كيف ينظر إلى العالم.

حين يعيش الإنسان في فضاءٍ بسيط، حيث السماء واضحة والأرض مفتوحة، فإنه يشعر — دون أن يدري — بأن الكون أوسع من طموحاته الصغيرة. أما حين يعيش بين جدرانٍ شاهقة، فإن الإحساس يتغير. يصبح العالم عمودياً، ضيقاً، محصوراً بين الأرض والسقف.

وقد لاحظ بعض المفكرين أن العمارة الحديثة تميل إلى تضخيم الإنسان من الخارج، بينما تُضعف حضوره الداخلي. فالمباني تزداد ارتفاعاً، لكن الإنسان نفسه لا يشعر دائماً أنه أصبح أقرب إلى السماء.

وفي مكة تحديداً، تظهر هذه المفارقة بوضوح مؤلم:
المكان الذي يفترض أن يذكّر الإنسان بضآلته أمام الله، صار أحياناً محاطاً بمبانٍ تذكّره بقوة الإنسان الاقتصادية والتقنية.

كأن العالم الحديث جاء إلى أقدس نقطة في الأرض وهو يحمل معه لغته الخاصة: لغة الاستثمار، والسرعة، والضوء.

---

ومع ذلك، فإن الحقيقة الأعمق ربما لا تتعلق بالأبراج نفسها، بل بالإنسان الذي ينظر إليها.

فالروح، في النهاية، لا تُقاس بارتفاع المباني حولها، بل بقدرتها على رؤية المعنى وسط الضجيج. قد يقف الإنسان في ساحة الحرم، وترتفع حوله الأبراج كجدرانٍ من زجاج، لكنه إذا نظر إلى الكعبة بقلبٍ حاضر، فإن كل تلك المباني تتلاشى في وعيه كأنها مجرد خلفية بعيدة.

الكعبة لا تحتاج إلى أن تكون الأعلى حتى تكون الأعظم.

فهي، منذ آلاف السنين، مركز الجاذبية الروحية للعالم الإسلامي. ليست عظمتها في ارتفاعها، بل في المعنى الذي يدور حولها. ملايين البشر يطوفون حول بيتٍ بسيط الشكل، لأن البساطة أحياناً تحمل من الرمزية ما لا تحمله أعظم القصور.

وهذا هو السر الذي قد ينساه العمران الحديث:
أن الأشياء المقدسة لا تحتاج إلى أن تتضخم لكي تبقى عظيمة.

---

ربما سيبقى برج الساعة بمكة جزءاً من مشهد مكة المعاصر، كما تبقى كل المدن أسيرة عصرها. وربما سيظل الناس يلتقطون صوره كما يلتقطون صور أي معلمٍ معماري مدهش.

لكن التحدي الحقيقي ليس في إزالة الأبراج، بل في حماية المعنى.

أن يظل الإنسان قادراً، وسط هذا البحر من الخرسانة والضوء، على أن يرفع بصره قليلاً…
ثم يترك كل شيء…
وينظر إلى الكعبة.

لأن الروح، في النهاية، لا تبحث عن الأعلى.

بل تبحث عن الأصدق.