الطعام والروح
لدي تأمل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة". وفي رواية لمسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية". ولا أجزم بصحته، لكن البعد النفسي فيه عال ويطابق رؤية مدمني الطعام ومحاولة علاجهم والفكاك منه.
هذا الحديث، يشير إلى صفة في الطعام غير الشبع أو الامتلاء. فالطعام ليس للبطن فقط، يتحول الطعام أحياناً ليؤدي أغراضا أخرى. أغراضا يؤديها الاختلاط بالناس، يتحول الطعام ليكون أنيسا.
مدمنو الطعام، الذين يصلون لدرجة الشره، لا يتناولون الطعام عند الجوع فقط، في الحقيقة قد لا يجوعون أو يصلون لدرجة الجوع، يتحول الطعام لكيس من التبغ ملازم لهم ليكسر كل شعور غير مريح، تتحول العلاقة مع الطعام إلى علاقة حميمية بها الكثير من المشاعر، والكثير الكثير من الإنصات ولغة وحيدة أو ربما مفردة، هي المضغ.
"يتعاطى" - وهنا أقصد ما أقول - مدمنو الطعام طعامهم في الفرح والكرب، فهم لا يستطيعون وصف الذي بداخلهم، لذا إن حزنوا يأكلون، وإن فرحوا، أكلوا أيضا، وإن شعروا بالوحدة، كان الطعام هو الرفيق.
أولئك المدمنون الذين تسلل الطعام ليظهر على شكلهم كوزن زائد، يظنون أنهم يحتاجون إلى حمية، حمية محكمة بها القليل من السعرات والكثير من التمارين الرياضية، لكن لا شيء يجدي.
محاولات الإلتزام بالريجيم، هي سعرات مؤجلة، تنتظر أول صدمة أو شعور غير مريح أو حتى ملل، ليكسر في نوبة مضغ.
حتى إن نجحوا ووصلوا للوزن الذين يرونه مثالياً، ليس لديهم طريقة "مشبعة" للاحتفال بهذا الإنجاز إلا وجبة طعام دسمة، وكأنهم يسددون الدين المؤجل لكل تلك السعرات الحرارية المؤجلة.
ما الحل إذن إن كانت الحمية لا تفيد؟ الحمية جزء من الحل، لكنها تحصيل حاصل، تجفف الحمية الأعراض، ربما تمكنهم من إزالة الدهون ويكون شكلهم مقبولا كما يفترضون، لكن كما قلت، تكسر في أول موجة مشاعر، ولا يشترط أن تكون المشاعر سلبية، كل حالات اللا اتزان - ربما الفرح - تربكبهم، لذلك يحاولون معالجة الأمر بالطعام.
ما الذي يفعله الطعام؟ يملأ الطعام ذلك الفراغ الذي في الروح "مؤقتا" حتى لا يلبث إلا أن يكون فراغا أكبر. يتحول الطعام لمنصت جيد، لا يقطع الحديث أو يلقي بالأحكام، منصت يومئ بالإيجاب دوماً والتأكيد على صدق المشاعر، منصت لا يصادر على ما يشعر به، لا يغتال مشاعرهم.
يجد الطعام الكثير من الشقوق التي يحاول رتقها، لكن لا يفلح. فالشقوق هنا ليست في الجسد أو المعدة، الثقوب هنا، ثقوب روح، وتحتاج إلى روح أخرى، أن تخرج من هذه الوحدة إلى روح أخرى، روح توفر ما يوفره الطعام غير الشبع، أحيانا تتجاوز حتى الشبع.